ابن عربي

89

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

وذلك راجع إلى شاهد الحق في قلب كل أحد بحسب ما هو الشاهد عليه لاقتضاء دليله واعتقاده أو إلهامه ، وليس الاستمداد الذي فيه من النور الشمسي لمصالح الكون ، فشاهد الحق في قلب العبد مستمد من النور الإلهي الذاتي ، وسماه أيضا بدرا لكونها مرآة لمن تجلى فيها ، وهو من باب ظهور الحق في الخلق وبالعكس أيضا ، وسماها غصن نقا للصفة القيومية التي لها أوصاف القيومية منها إلى النقا الذي هو كدس الرمل يحد بين الوصل ، وهو المعنى الذي أظهر فيه هذه الصفة القيومية ، وظهرت فيه وبما فيه من العلو والنشر على الأرض لما فيه من التنزيه عن مراتب الكون وبما يطرأ على النقا من ذهاب الرياح به عند هبوبها هو ما تعارضه هذه العلوم الرملية من الأهواء النفسانية في أوقات ما وتلك أوقات الغفلات ، مثلا كمن يعلم قطعا أنّ اللّه هو الرزاق وأنه وقد سبق علمه بأن ما هو لك ليس لغيرك فتأتي الأهواء النفسانية بالخواطر الطبيعية فتحول بينك وبين هذا العلم ، فتضطرب عند الفقد وتسعى في طلب ما قد فرغ لك منه فهذا هو ذلك . وقوله : ما أروقا ، يريد ما يلبسه غصن القيومية من الأسماء الإلهية التي بها تجمله في قلوب العباد كما أنّ الأوراق ملابس الأغصان . وقوله : ما أنورا يريد البدر من قوله : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] والمثل المثل . وقوله : ما أطيبا يريد المسك وهو ما تعطيه الأنفاس التي ذكرناها من المعارف والأخلاق الإلهية لهذا العبد المتصف بها . يا مبسما أحببت منه الحببا * ويا رضابا ذقت منه الضربا « 1 » يشير إلى ما أراد عليه السلام بقوله : « إنّ اللّه يضحك » « 2 » حتى قالت العرب : لا عدمنا خيرا من ربّ يضحك ، وشبه المبسم بالحبب وهو ما يظهر على وجه الماء وهو راجع إلى ريح والماء سر الحياة فهو ما يظهر على الحياة الإلهية من العلوم الرحمانية عند هبوب الأنفاس كما قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ الأنعام : 122 ] ، يريد العلم من الجهل وقوله : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] فهذا ذلك . وقوله : ورضابا يشير إلى علوم الهوانية والمناجاة والكلام والحديث والسمر ، ولكن من العلوم التي تعقب اللذة في قلب من قامت به ، فإنه ما كل علم يكون عنه لذة . والضرب هو العسل الأبيض فشبه الرضاب به للحلاوة والبياض كما شبه النور الإلهي بنور المصباح وإن بعدت المناسبة ولسكن اللسان العربي يعطي التفهم بأدنى شيء من متعلقات التشبيه . يا قمرا في شفق من خفر * في خدّه لاح لنا منتقبا

--> ( 1 ) المبسم : الثغر . الرضاب : الريق . ( 2 ) سبق تخريجه .